الغزالي

493

إحياء علوم الدين

وأما زيارة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفناه ، وتزوره ميتا كما تزوره حيا ، ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا ، وكما كنت ترى الحرمة في أن لا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعد ماثلا بين يديه ، فكذلك فافعل ، فان المس والتقبيل للمشاهد عادة النصارى واليهود . واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك ، وأنه يبلغه سلامك وصلاتك . فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعا في اللحد بإزائك واحضر عظيم رتبته في قلبك فقد روى عنه صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « أنّ الله تعالى وكَّل بقبره ملكا يبلَّغه سلام من سلَّم عليه من أمّته » هذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقا إلى لقائه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة ؟ وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « من صلَّى علىّ مرّة واحدة صلَّى الله عليه عشرا » فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه ؟ ثم ائت منبر الرسول صلَّى الله عليه وسلم وتوهم صعود النبي صلَّى الله عليه وسلم المنبر ، ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر وقد أحدق به المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم وهو صلَّى الله عليه وسلم يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته ، وسل الله عز وجل أن لا يفرق في القيامة بينك وبينه . فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن والهم والخوف وأنه ليس يدرى أقبل منه حجه وأثبت في زمرة المحبوبين أم رد حجه والحق بالمطرودين . وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله فان صادف قلبه قد ازداد تجافيا عن دار الغرور وانصرافا إلى دار الأنس باللَّه تعالى ، ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع ، فليثق بالقبول ، فان الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه ، ومن أحبه تولاه وأظهر عليه آثار محبته . وكف عنه سطوة عدوّه إبليس لعنه الله ، فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء والتعب . نعوذ باللَّه سبحانه وتعالى من ذلك تم كتاب أسرار الحج ، يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب آداب تلاوة القرءان