الغزالي
491
إحياء علوم الدين
وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم وامتدت إليه أعناقهم ، وشخصت نحو السماء أبصارهم ، مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة ، فلا تظنن أنه يخيب أملهم ويضيع سعيهم ويدخر عنهم رحمة تغمرهم . ولذلك قيل : إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له وكأن اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج وغاية مقصوده ، فلا طريق إلى استدرار رحمة الله سبحانه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد وأما رمى الجمار : فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية ، وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه ، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله ، فان خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان ، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه ، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به . فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان واعلم أنك في الظاهر ترمى الحصى إلى العقبة ، وفي الحقيقة ترمى به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل ارغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه ، وأما ذبح الهدى فاعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال ، فأكمل الهدى وارج [ 1 ] أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار ، فهكذا ورد الوعد فكلما كان الهدى أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم وأما زيارة المدينة : فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلَّى الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته ، وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسنته ، وجاهد عدوه وأظهر بها دينه ، إلى أن توفاه الله عز وجل ، ثم جعل تربته فيها وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده رضي الله عنهما . ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله