الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

92

مناهل العرفان في علوم القرآن

- بربك - هل كان معقولا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها ، لو لم يتألفهم ويتلطف بهم ، إلى درجة أن يمتن عليهم بها أول الأمر ، كأنه يشاركهم في شعورهم . وإلى حد أنه أبى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت فيه بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه ، حين سألوه صلى اللّه عليه وسلم : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ » ؟ . أما الحكمة في نسخ الحكم الأصعب بما هو أسهل منه ، فالتخفيف على الناس ؛ ترفيها عنهم ، وإظهار الفضل اللّه عليهم ورحمته بهم ، وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده ، وتحبيب لهم فيه وفي دينه . وأما الحكمة في نسخ الحكم بمساويه في صعوبته أو سهولته ، فالابتلاء والاختيار ، ليظهر المؤمن فيفوز ، والمنافق فيهلك ليميز اللّه الخبيث من الطيب . يبقى الكلام في حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ، وفي حكمة نسخ التلاوة مع بقاء الحكم . أما حكمة بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ؛ فتسجيل تلك الظاهرة الحكيمة ظاهرة سياسة الإسلام للناس ، حتى يشهدوا أنه هو الدين الحق ؛ وأن نبيه نبي الصدق ، وأن اللّه هو الحق المبين ، العليم الحكيم ، الرحمن الرحيم . يضاف إلى ذلك ما يكتسبونه من الثواب على هذه التلاوة ، ومن الاستمتاع بما حوته تلك الآيات المنسوخة من بلاغة ، ومن قيام معجزات بيانية أو علمية أو سياسية بها . وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، فحكمته تظهر في كل آية بما يناسبها . وإنه لتبدو لنا حكمة رائعة في مثال مشهور من هذا النوع . ذلك أنه صح في الرواية عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب أنهما قالا : كان فيما أنزل من القرآن . « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » . أي كان هذا النص آية تتلى ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها معمولا به إلى اليوم . والسر في ذلك أنها كانت تتلى