الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

91

مناهل العرفان في علوم القرآن

وشعوب وحيوان ونبات وجماد . مما جعله بحق دينا عاما خالدا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ! . هذا إجمال له تفاصيله التي ألمعنا إليها في مناسبات سابقة . وسنعرض لها إن شاء اللّه في مناسبات آتية . وأما حكمة اللّه في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض ، فترجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرقيها ويمحصها - وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول بدعوته ، كانت تعالى فترة انتقال شاق ، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذي شوفهوا بالإسلام ، من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وأمجادهم ، فلو أخذوا بهذا الدين الجديد مرة واحدة ، لأدى ذلك إلى نقيض المقصود ، ومات الإسلام في مهده ، ولم يجد أنصارا يعتقونه ويدافعون عنه ، لأن الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان . من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشى على مهل ، متألفة لهم ، متلطفة في دعوتهم متدرجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا ، صاعدة بهم في مدارج الرقى شيئا فشيئا . منتهزة فرصة الألف والمران والأحداث الجادة عليهم ، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل ، ومن السهل إلى الصعب ، ومن الصعب إلى الأصعب ، حتى تم الأمر ونجح الاسلام نجاحا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به ، ونهضة البشرية بسببه ! . تلك الحكمة على هذا الوجه ، تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من المنسوج ، كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية بالأمس ، وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد ، يحتسونها بصورة تكاد تكون إجماعية ، ويأتونها لا على أنها عادة مجردة . بل على أنها أمارة القوة ، ومظهر الفتوة ، وعنوان الشهامة ! . فقل لي