الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
90
مناهل العرفان في علوم القرآن
حكمة اللّه في النسخ الآن وقد عرفنا النسخ ، وفرقنا بينه وبين ما يلتبس به ، وأيدناه بالأدلة ، يجد ربنا أن نبين حكمة اللّه تعالى فيه ، لأن معرفة الحكمة تريح النفس ، وتزيل اللبس ، وتعصم من الوسوسة والدس . خصوصا في مثل موضوعنا الذي كثر منكروه ، وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك . ولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر أن النسخ وقع بالشريعة الإسلامية ووقع فيها . على معنى أن اللّه نسخ بالإسلام كل دين سبقه ، ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض . أما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الأديان كلها ، فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها ، بعد أن بلغت أشدها واستوت . وبيان ذلك أن النوع الإنسانى تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة . ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه ، غير الحال التي تناسب دورا غيره . فالبشر أول عهدهم بالوجود ، كانوا كالوليد أول عهده بالوجود ، سذاجة وبساطة ، وضعفا وجهالة ، ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا ، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متبايسة ، من ضالة العقل ، وعماية الجهل ، وطيش الشباب ، وغشم القوة . على تفاوت في ذلك بينهم ، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم ، تبعا لهذا التفاوت . حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه ، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه ، جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان ، ومتمما للشرائع ، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد ، جمعا وفق بين مطالب الروح والجسد ، وآخى بين العلم والدين ، ونظم علاقة الإنسان باللّه وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم