الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
8
مناهل العرفان في علوم القرآن
من الأصل ، بسبب اختلاف اللغتين في موقع استعمال الكلام في المعاني المرادة إلفا واستحسانا . أما المترجم ترجمة تفسيرية ، فإنه يعمد إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه ، ثم يصبه في قالب يؤديه من اللغة الأخرى ، موافقا لمراد صاحب الأصل ، من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف عند كل مفرد ولا استبدال غيره به في موضعه . ولنضرب مثالا للترجمة بنوعيها على فرض إمكانها في آية من الكتاب الكريم . قال اللّه تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فإنك إذا أردت ترجمتها ترجمة حرفية ؛ أتيت بكلام من لغة الترجمة ؛ يدل على النهى عن ربط اليد في العنق وعن مدها غاية المد ، مع رعاية ترتيب الأصل ونظامه ، بأن تأتى بأداة النهى أولا ، يليها الفعل المنهى عنه متصلا بمفعوله ومضمرا فيه فاعله ، وهكذا . . ولكن هذا التعبير الجديد قد يخرج في أسلوب غير معروف ولا مألوف في تفهيم المترجم هم ما يرمى إليه الأصل من النهى عن التقتير والتبذير . بل قد يستنكر المترجم لهم هذا الوضع الذي صيغ به هذا النهى ويقولون : ما باله ينهى عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد ؟ ! وقد يلصقون هذا العيب بالأصل ظلما ، وما العيب إلا فيما يزعمونه ترجمة للقرآن من هذا النوع . أما إذا أردت ترجمة هذا النظم الكريم ترجمة تفسيرية ، فإنك بعد أن تفهم المراد وهو النهى عن التقتير والتبذير في أبشع صورة منفرة منها ، تعمد إلى هذه الترجمة فتأتي منها بعبارة تدل على هذا النهى المراد ، في أسلوب يترك في نفس المترجم لهم أكبر الأثر في استبشاع التقتير والتبذير . ولا عليك من عدم رعاية الأصل في نظمه وترتيبه اللفظي . وإنما قلنا عند عرض هذا المثال : « على فرض إمكانها » لما ستعرفه بعد من استحالة الترجمة بهذا المعنى العرفي في القرآن الكريم . والمثال لا يشترط صحته كما هو معلوم .