الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

34

مناهل العرفان في علوم القرآن

كرم اللّه بها رسوله وأمته ، إلى غير ذلك مما من شأنه أن يسمو بالنفوس الإنسانية ، ويملأ العالم حضارة صحيحة ومدنية . وإنك لتستطيع أن ترى هذه الفائدة ماثلة بين عينيك إذا ما شاهدت أستاذا ممتازا يلقى درسا من دروس التفسير على العامة ، يجلى معاني القرآن لهم بمهارته ، ويتنزل إلى مستواهم فيخاطبهم بلغتهم ، ويتخير من المعاني أصحها وأمسها بحاجتهم ، ويعالج عند المناسبة ما يعرف من جهالتهم وشبهتهم . واللّه لكأني بهذا المدرس اللبق وقد نفخ فيهم من روح القرآن فأحيا مواتهم ، وداوى أمراضهم ، وقادهم إلى النهضة ، وجعلهم يؤمنون بهذا الكتاب عن علم وذوق وشعور ووجدان ، بعد أن كانوا يؤمنون به إيمانا أشبه بالتقليد الأعمى أو بمحاكاة الصبيان . ولقد دلتنا التجارب على أن كثيرا من هؤلاء الذين أحسوا جلال القرآن عن طريق تفسيره ، فكروا في حفظه ، واستظهاره ودراسة لغته وعلومه ، ليرتشفوا بأنفسهم من منهله الروى ، ويشبعوا نهمتهم من غذائه الهنيء ، ما دام هذا التفسير وغيره لا يحمل كل معاني الأصل ، وما دام ثواب اللّه يجرى على كل من نظر في الأصل أو تلا نفس ألفاظ الأصل . ( الفائدة الثانية ) دفع الشبهات التي لفقها أعداء الإسلام وألصقوها بالقرآن وتفسيره كذبا وافتراء ، ثم ضللوا بها هؤلاء المسلمين الذين لا يحذقون اللسان العربي في شكل ترجمات مزعومة للقرآن ، أو مؤلفات علمية وتاريخية للطلاب ، أو دوائر معارف للقراء ، أو دروس ومحاضرات للجمهور ، أو صحف ومجلات للعامة والخاصة . ( الفائدة الثالثة ) تنوير غير المسلمين من الأجانب في حقائق الإسلام وتعاليمه ، خصوصا في هذا العصر القائم على الدعايات ، وبين نيران هذه الحروب التي أوقدها أهل الملل والنحل الأخرى ، حتى ضل الحق أو كاد يضل في سواد الباطل ، وخفت صوت الإسلام أو كاد يخفت بين ضجيج غيره من المذاهب المتطرفة والأديان المنحرفة .