الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
330
مناهل العرفان في علوم القرآن
( ثانيا ) أن الفرق بعيد بين ظروف محمد صلى اللّه عليه وسلم التي جاء فيها بالقرآن وظروف سولون التي وضع فيها القانون . وهذا الفرق البعيد له مدخل كبير في إثبات هذا الوجه من الإعجاز بالنسبة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم دون سولون : فمحمد كان أميا نشأ في الأميين ، أما سولون فكان فيلسوفا نشأ بين فلاسفة ومتعلمين ، بل هو أحد الفلاسفة السبعة الذين كان يشار إليهم بالبنان في القرن السابع قبل الميلاد المسيحي . . . ومحمد صلى اللّه عليه وسلم لم يتقلد قبل القرآن أعمالا إدارية ولا عسكرية ، بل جاءه القرآن بعد أن حببت إليه الخلوة والعزلة ، أما سولون فقد تولى قبل وضعه القانون أعمالا إدارية وعسكرية ، وانتخب في عام 594 قبل الميلاد ( أرجونا ) أي رئيسا على الأمة بإجماع أحزابها ، وقلدوه سلطة مطلقة ليغير ما شاء من نظم البلاد وقانونها الذي وضعه ( زراكوت ) من قبله . فوضع لهم نظاما جديدا أقرته الأمة حكومة وشعبا وقررت اتباعه والعمل به عشر سنين . فهل يجوز حتى في عقول المغفلين أن تقام موازنة ويصاغ قياس مع هذه المفارقات الهائلة بين محمد الأمى الناشئ في الأميين ، وسولون الفيلسوف والحاكم والقائد والزعيم والناشئ في أعظم أمة من أمم الحكمة والحضارة ؟ ! : ( ثالثا ) أين ذلك القانون الذي وضعه أو عدله سولون ؟ وما أثره وما مبلغ نجاحه ؟ بجانب قانون القرآن الجامع ودستوره الخالد وأثره البارز ونجاحه المعجز ! ثم ما قيمة قانون وضع تحت تأثير تلك الظروف ومات وأصبح في خبر كان ، بجانب القرآن الذي جاء في ظروف مضادة جعلته معجزة بل معجزات ، ثم حي حياة دائمة لا مؤقتة ، ولا يزال يزداد مع مرور العصور والقرون جدة وحياة وثباتا واستقرارا ، حتى أصبح كثير من الأمم المتحضرة تستمد منه ، وقررت مؤتمرات دولية اعتباره مصدرا من مصادر القانون المقارن في هذا العصر ، إلى غير ذلك مما أشرنا إليه قبلا ؟ ! .