الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

325

مناهل العرفان في علوم القرآن

بمقياس واحد من البيان ، بل يظهر أنه يماثله أو يقاربه في خصائصه ، وإن كان على صورة بيانية غير صورته . هذا هو ما يتحداهم به الرسول ، وهو القدر الذي يتنافس فيه البلغاء عادة فيتماثلون أو يتفاضلون ، مع احتفاظ كل منهم بمنهاجه الخاص ونمطه المعين . ومثال ذلك أن يتبارى قوم في العدو والجرى إلى هدف واحد ، ويرسم لكل واحد من هؤلاء المتبارين طريق معين بحيث لا يمشى أحدهم من طريق صاحبه ، ولا يضع قدمه في موضع قدم أخيه . بل يمشى في طريقه هو غير مزاحم ولا مزاحم ، ويسير موازيا لقرنه في المبدأ وفي الاتجاه ، ثم يمضون جميعا إلى الهدف المشترك الذي إليه يتسابقون ، وإذا هم بعد ذلك بين سابق مبرز ، ولا حق متخلف ، ومساو متكافئ . دون أن يكون اختلاف طرقهم قادحا فيما يكون بينهم من هذا التفاضل أو التماثل . بل يعرف التناسب بينهم بمعرفة نسبة ما قطعه كل من طريقه إلى ذلك الهدف المشترك . . . كذلك المتنافسون في ميدان البيان ، يختار كل منهم طريقته التي يستمدها من مزاجه الشخصي واستعداده الخاص للوصول إلى الغاية البيانية العامة . ثم هم بعد ذلك يتفاوتون أو يتعادلون ، بمقدار وفائهم بخصائص البيان أو نقصهم منها . فالمدعوون إلى معارضة القرآن إن افترضتهم أكفاء لنبي القرآن فسيأتون بمثل ما جاء به ، وإن افترضتهم أعلى منه كعبا فسيأتون بأحسن مما جاء به . وإن افترضتهم دونه فلن يشق عليهم أن يأتوا بقريب مما جاء به ، مع احتفاظ كل منهم بنمطه في الكلام ومنهجه في البيان . لكن شيئا من هذه المراتب الثلاث لم يكن . فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل القرآن ولا بما يعلوه ولا بما يقرب منه ، لا بالنسبة إليه كله ، ولا بالنسبة لعشر سور ، ولا بالنسبة لسورة واحدة من مثله ، لا منفردين ولا مجتمعين ولو كان معهم الإنس والجن وكان بعضهم لبعض ظهيرا . يضاف إلى ذلك أنهم كانوا أئمة البيان ونقدة الكلام . وكانوا أهل إباء وضيم يحرصون على الغلبة في هذه الحلبة من معارضة القرآن . أليس ذلك بدليل كاف على أن هذا الكتاب تنزيل العزيز الرحيم ولا يمكن أن يكون كلام محمد ولا غير محمد من المخلوقين ؟ !