الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

326

مناهل العرفان في علوم القرآن

الشبهة الخامسة ودفعها : يقولون : إن عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن ، ما هو إلا نظير عجزهم عن الإتيان بمثل الكلام النبوي وإذن فلا يتجه القول بقدسية القرآن وأنه كلام اللّه ، كما لا يتجه القول بقدسية الحديث النبوي وأنه كلام اللّه ! . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأن الحديث النبوي إن عجز عامة الناس عن الإتيان بمثله ، فلن يعجز أحد خاصتهم عن الإتيان ولو بمقدار سطر واحد منه . وإذا عجز أحد هؤلاء الممتازين عن مقدار سطر واحد منه نفسه ، فلن يعجز عن مقدار سطر واحد من مماثله القريب منه . وإن عجز أن يأتي بسطر من هذا المثل وهو وحده ، فلن يعجز عنه إذا انضم إليه ظهير ومعين أيا كان ذلك الظهير والمعين . وإن عجز عن هذا مع الظهير والمعين أيا كان ، فلن يعجز الإنس والجن جميعا أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا كما قال القرآن . ذلك شأن الحديث النبوي مع معارضيه . أما القرآن الكريم فله شأن آخر ، لأن أحدا لا يستطيع الإتيان بمثل أقصر سورة منه لا هو وحده ولا مع غيره ولو اجتمع من بأطرافها من الثقلين . وإنما قلنا إن الحديث النبوي لا يعجز بعض الخواص الممتازين أن يأتي بمثله ، لأن التفاوت بين الرسول وبلغاء العرب مما يتفق مثله في مجارى العادة بين بعض الناس وبعض في حدود الطاقة البشرية ، كالتفاوت بين البليغ والأبلغ والفصيح والأفصح والحسن والأحسن . وليس هذا التفاوت بالأمر الشاذ الخارق للنواميس العادية جملة ، بحيث تنقطع الصلة بين الرسول وسائر البلغاء جميعا ، لاختصاصه من بينهم بفطرة شاذة لا تمت إلى سائر الفطر بنسب إلا كما ينتسب النقيض إلى المقيض والضد إلى الضد كلا بل إن هذا القول باطل من وجهين : ( أحدهما ) أنه يخالف المعقول والمشاهد ، لما هو معروف من أن الطبيعة الإنسانية