الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
324
مناهل العرفان في علوم القرآن
هذا هو الناموس الذي أنزل اللّه على موسى . ثم تمنى أن يكون شابا فيه حياة وقوة ينصر بهما الرسول ويؤازره حين يخرجه قومه . ولم تذكر هذه الروايات الصحيحة أنه ألقى إلى الرسول عظة أو درس له درسا في العقائد أو التشريع ولا أن الرسول كان يتردد عليه كما يتوهمون أو يوهمون . فأنى لهم ما يقولون ؟ وأي منصف يسمع كلمة ورقة هذه ولا يفهم منها أنه كان يتمنى أن يعيش حتى يكون تلميذا لمحمد ، وجنديا مخلصا في صفه ينصره ويدافع عنه في وقت المحنة ؟ . ولكن القوم ركبوا رؤوسهم على رغم ذلك ، وحاولوا قلب الأوضاع وإيهام أن ورقة هو الأستاذ الخصوصى الذي استقى منه محمد دينه وقرآنه : ألا ساء ما يحكمون ؟ . الشبهة الرابعة ودفعها : يقولون : إن إعجاز القرآن للبشر عن أن يأتوا بمثله ، لا يدل على قدسيته وأنه كلام اللّه . وشاهد ذلك أن لكل متأدب أسلوبا خاصا به يتبع استعداده الأدبي ومزاجه الشخصي . وهذا الأسلوب الخاص يستحيل على غيره أن يأتي بمثله ضرورة اختلاف مواهب المتأدبين وأمزجتهم . ومع هذا فإعجاز كل أسلوب لغير صاحبه ، وعجز كل متأدب عن الإتيان بأسلوب غيره ، لم يضف على الأساليب البشرية شيئا من القدسية وأنها كلام اللّه . فكذلك القرآن يزعمون أنه كلام محمد ويعترفون بإعجازه على هذا النحو . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بوجوه الإعجاز التي بسطناها سابقا غير وجه الإعجاز بالأسلوب . ( ثانيا ) أن هذه الشبهة مغالطة ، فإن التحدي بالقرآن ليس معناه مطالبة الناس أن يجيئوا بنفس صورته الكلامية ومنهاجه المعين الذي انفرد به أسلوبه ، حتى ترد هذه الشبهة . بل معناه مطالبة الناس أن يجيئوا بكلام من عندهم أيا كانت صورته ومزاجه ، وأيا كان نمطه ومنهاجه ، لكن على شرط ألا يطيش في الميزان ، إذا قيس هو والقرآن