الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
323
مناهل العرفان في علوم القرآن
الذي يدعيه ألف دليل ودليل ، كما سبق بيانه . فأين الثرى من الثريا ؟ وأين الظلام من النور ؟ . ( خامسها ) أن هذه الفتاة الهائجة الثائرة لم تكن صاحبة دعوة إلى إصلاح ولا ذات أثر باق في التاريخ . إنما كانت صاحبة سيف ومسعرة حرب في فترة من الزمن ، لغرض مشترك بين الإنسان والحيوان وهو الدفاع عن النفس والوطن بمقتضى غريزة حب البقاء ؛ ثم لم تلث جذوتها أن بردت ، وحماستها أن خمدت . « كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر » فأين هذه الآنسة الثائرة من أفضل الخلق في دعوته الكبرى ، وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر وشرائعهم وأعمالهم وأخلاقهم ، وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دمها بدينه الجديد الذي قلب به أوضاع الدنيا ، ونقل بسببه العالم إلى طور سعيد ، بل إلى الطور السعيد الذي لولاه لدام يتخبط في الظلمات ، ولبات في عداد الأموات ! ؟ « أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ؟ ! » الشبهة الثالثة ودفعها : يقولون : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يلقى ورقة بن نوفل فيأخذ عنه ويسمع منه ، وورقة لا يبخل عليه لأنه قريب لخديجة زوج محمد . يريدون بهذا أن يوهموا قراءهم وسامعيهم بأن هذا القرآن استمد علومه من هذا النصراني الكبير الذي يجيد اللغة العبرية ويقرأ بها ما شاء اللّه . وندفع هذه الشبهة بمثل ما دفعنا به ما قبلها . ونقرر أنه لا دليل عندهم على هذا الذي يتوهمونه ويوهمون الناس به ، بل الدليل قائم عليهم فإن الروايات الصحيحة تثبت أن خديجة ذهبت بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين بدأه الوحي إلى ورقة ، ولما قص الرسول قصصه قال :