الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

322

مناهل العرفان في علوم القرآن

وأنظر كيف ينفى القرآن أنه شعر وأن الرسول شاعر فيقول : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ * . وتأمل ما جاء في صحيح مسلم وغيره من أنه صلى اللّه عليه وسلم أبى على عائشة أم المؤمنين أن تقول في شأن صبي من الأنصار جئ به ميتا ليصلى عليه : طوبى لهذا لم يعمل شرا . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أو غير ذلك يا عائشة ؟ إن اللّه خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم . وخلق النار وخلق لها أهلا ، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم » . مع أن أطفال المسلمين يعلم اللّه أنهم في الجنة ، لكن توقف الرسول وإباءه على عائشة أن تقول هذا ، كان قبل أن يعلمه اللّه ذلك . فلم يسمح لها أن تسير مع الوهم أو الظن ما دام الأمر غيبا ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه . وتدبر ما رواه البخاري من أنه لما توفى عثمان بن مظعون رضى اللّه عنه قالت أم العلاء - امرأة من الأنصار - رحمة اللّه عليك أبا السائب فشهادتى عليك لقد أكرمك اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم : وما يدريك أن اللّه أكرمه ؟ فقالت : بأبى أنت يا رسول اللّه فمن يكرمه اللّه ؟ قال : أما هو فقد جاءه اليقين . واللّه إني لأرجو له الخير . واللّه ما أدرى وأنا رسول اللّه ما يفعل بي . قالت فو اللّه لا أزكى أحدا بعده أبدا وكذلك يقول القرآن الكريم : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ . وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ . فهل يعقل أن يقاس صاحب هذه الدقة البالغة والتثبت الدقيق بفتاة خفيفة سابحة في أوهامها غريقة في أحلامها ؟ ! ( رابعها ) أن تلك الفتاة : جان دارك ، لم تأت ولا بدليل واحد معقول على صدق أوهامها وتخيلاتها التي تزعمها وحيا وحديثا من اللّه إليها . لكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم له على وحيه