الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

317

مناهل العرفان في علوم القرآن

وتوجيهات ، نعتقد أن فيها غناء عن دفع كثير من الشبهات فاحرص عليها ، ثم اشدد يديك على ما يلقى إليك . الشبهة الأولى ودفعها : يقولون : إن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لقى بحيرا الراهب فأخذ عنه وتعلم منه . وما تلك المعارف التي في القرآن إلا ثمرة هذا الأخذ وذاك التعلم . وندفع هذا ( أولا ) بأنها دعوى مجردة من الدليل ، خالية من التحديد والتعيين . ومثل هذه الدعاوى لا تقبل ما دامت غير مدللة ، وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد من بحيرا الراهب ؟ ومتى كان ذلك ؟ وأين كان ؟ . ( ثانيا ) أن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه صلى اللّه عليه وسلم سافر إلى الشام في تجارة مرتين ، مرة في طفولته ومرة في شبابه . ولم يسافر غير هاتين المرتين ، ولم يجاوز سوق بصرى فيهما . ولم يسمع من بحيرا ولا من غيره شيئا من الدين . ولم يك أمره سرا هناك بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمه أبو طالب ، وشاهد في الثانية وهو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول بتجارتها أيامئذ . وكل ما هنالك أن بحيرا الراهب رأى سحابة تظلله صلى اللّه عليه وسلم من الشمس ، فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن ، ثم حذره عليه من اليهود . وقد رجع به عمه خوفا عليه ولم يتم رحلته . كذلك روى هذا الحادث من طرق في بعض أسانيدها ضعف . ورواية الترمذي ليس فيها اسم بحيرا . وليس في شئ من الروايات أنه صلى اللّه عليه وسلم سمع من بحيرا أو تلقى منه درسا واحدا أو كلمة واحدة ، لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق . فأنى يؤفكون ؟ . ( ثالثا ) أن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب موقف المعلم المرشد لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته ، وليس بمعقول أن يؤمن