الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

318

مناهل العرفان في علوم القرآن

رجل بهذه البشارة التي يزفها ، ثم ينصب نفسه أستاذا لصاحبها الذي سيأخذ عن اللّه ، ويتلقى من جبريل ويكون هو أستاذ الأستاذين ، وهادي الهداة والمرشدين ! . وإلا كان هذا الراهب متناقضا مع نفسه . ( رابعا ) أن بحيرا الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز ، لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم . ( خامسا ) أنه يستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ، ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف ، بحيث يصبح أستاذ العالم كله ، لمجرد أنه لقى مصادفة واتفاقا راهبا من الرهبان مرتين . على حين أن هذا التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن التعليم بالتجارة ، وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ، وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى ، وكان حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها كاملة في المرة الثانية ؛ وهي أمانة العمل والإخلاص في مال خديجة وتجارتها . ( سادسا ) أن طبيعة الدين الذي ينتمى إليه الراهب بحيرا ، تأبى أن تكون مصدرا للقرآن وهداياته . خصوصا بعد أن أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف . وحسبك أدلة على ذلك ما أقمناه من المقارنات السابقة بين تعاليم القرآن وتعاليم غيره . وما قررناه من الوفاء في تعاليم القرآن دون غيره ، وما أشرنا إليه من أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتصحيحها . وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها . وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ثم حض على تركها . فارجع إلى ما أسلفناه ، ثم تذكر أن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه ، وأن الخطأ لا يمكن أن يكون مصدرا للصواب ، وأن الظلام لا يمكن أن يكون مشرقا للنور . ( سابعا ) أن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون : إن القرآن هو الأثر التاريخي