الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

307

مناهل العرفان في علوم القرآن

في الشرق ورجلا في الغرب ، وخفقت رايتهم على نصف المعمور في أقل من قرن ونصف قرن من الزمان . أفسحر هذا ؟ أم هو برهان عقلي لمحه المنصفون من الباحثين فاكتفوا من محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذا النجاح الباهر دليلا على أنه رسول من رب العالمين . هذا فيلسوف من فلاسفة فرنسا يذكر في كتاب له ما زعمه دعاة النصرانية من أن محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى ، ثم يفند هذا الزعم ويقول : إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها ، فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الإيمان به ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين ! أجل ، لقد صدق الرجل ، فإن فعل القرآن في نفوس العرب كان أشد وأرقى وأبلغ مما فعلت معجزات جميع الأنبياء . وإن شئت مقارنة بسيطة فهذا موسى عليه السلام قد أتى بني إسرائيل بآيات باهرة من عصا يلقيها فإذا هي ثعبان مبين ، ومن يد يخرجها فإذا هي بيضاء للناظرين . ومن انفلاق البحر فإذا هو طريق يابسة يمشون فيها ناجين آمنين ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في مصر وفي طور سينا مدة التيه . فهل تعلم مدى تأثير هذه الهدايات في إيمانهم باللّه ووحدانيته ، وإخلاصهم لدينه ونصرة رسوله ؟ إنهم ما كادوا يخرجون من البحر بهذه المعجزة الإلهية الكبرى ويرون بأعينهم عبدة الأصنام والأوثان ، حتى كان منهم ما حكاه اللّه في القرآن : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ . قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ . قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * ثم لما ذهب موسى إلى مناجاة ربه واستخلف عليهم أخاه هارون عليهما السلام ، نسوا اللّه تعالى وحنوا إلى ما وقر في نفوسهم من الوثنية المصرية وخرافاتها . فعبدوا العجل كما تحدثت سورة الأعراف بذلك : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ