الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
302
مناهل العرفان في علوم القرآن
لا أن تحمل على الإيمان والإذعان ، وتدفع إلى العمل بوحي هذا الإيمان وإذا فرض أن يؤمن بها أصحاب الاستعداد السليم ، فإيمانهم مجرد حينئذ من قوة الدفع ودفعة التحويل . ولا سبيل في العادة إلى التأثير بها على الجماهير ونجاحها فيهم نجاحا عاما إلا بأمرين : أحدهما تربية الأحداث وترويضهم عليها علما وعملا من عهد الطفولة . والآخر قوة حاكمة تحمل الكبار على احترامها حملا بالقوة والقهر ، ومع هذا وذاك ، فتربية الصغار على هذا الغرار هيهات أن تكون تربية استقلالية ؛ بل هي تقليدية تفقد الدليل والبرهان ، وكذلك إجبار الكبار هيهات أن يصل إلى موضع الإذعان والوجدان ! . لكن القرآن الكريم وحده ، هو الذي نفخ الإيمان في الكبار والصغار نفخا ، وبثه روحا عاما ، وأشعر النفوس بما جاء فيه إشعارا ، ودفعها إلى التخلي عن موروثاتها ومقدساتها جملة ، وحملها على التحلي بهديه الكريم علما وعملا ، على حين أن الذي أتى بهذا القرآن رجل أمي لا دولة له ولا سلطان ، ولا حكومة ولا جند ، ولا اضطهاد ولا إجبار ، إنما هو الاقتناع والرغبة والرضا والإذعان ، لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام ، فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده ، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه . هذا الأساس الذي وضعه القرآن وحده هو سر نهضته ، وإن شئت فقل هو نار ثورته ، بل هو نور هدايته ، والروح الساري لإحياء العالم بدعوته ، وذلك عن طريق أسلوبه المعجز الذي هز النفوس والمشاعر ، وملك القلوب والعقول ، وكان له من السلطان ما جعل أعداءه منذ نزله إلى اليوم ، يخشون بأسه وصولته ، ويخافون تأثيره وعمله ، أكثر مما يخافون الجيوش الفاتحة والحروب الجائحة ، لأن سلطان الجيوش والحروب لا يعدو هياكل