الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
303
مناهل العرفان في علوم القرآن
الأجسام والأشباح ، أما سلطان هذا الكتاب فقد امتد إلى حرائر النفوس وكرائم الأرواح ، بما لم يعهد له نظير في أية نهضة من النهضات ! . ولقد أشار القرآن نفسه إلى هذا الوجه من وجوه إعجازه ، حين سمى اللّه كتابه روحا من أمره بقوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا وحين سماه نورا بقوله : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ وحين وصف بالحياة والنور من آمن به في قوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ؟ . وفي قوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . وفي قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ . هذا التأثير الخارق أو النجاح الباهر الذي نتحدث فيه ، أدركه ولا يزال يدركه كل من قرأ القرآن في تدبر وإمعان ونصفة ، حاذقا لأساليبه العربية ، ملما بظروفه وأسباب نزوله . أما الذين لم يحذقوا لغة العرب ولم يحيطوا بهذه الظروف والأسباب الخاصة ، فيكفيهم أن يسألوا التاريخ عما حمل هذا الكتاب من قوة محولة غيرت صورة العالم ، ونقلت حدود الممالك ، عن طريق استيلائها على قلوب المخاطبين به لأول مرة استيلاء أشبه بالقهر وما هو بالقهر ، وأفعل من السحر وما هو بالسحر ، سواء في ذلك أنصاره وأعداؤه ، ومحالفوه ومخالفوه ! وما ذاك إلا لأنهم ذاقوا بسلامة فطرتهم العربية بلاغته ، ولمسوا بحاستهم البيانية اعجازه ؛ فوجد تياره الكهربائي موضعا في نفوسهم لشرارة ناره ، أو لهطول غيثه وانبلاج أنواره ! . تأثيره في أعدائه : أما أعداؤه المشركون ، فقد ثبت أنه جذبهم إليه بقوته في مظاهر كثيرة ، نذكر بعضها على سبيل التمثيل :