الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

301

مناهل العرفان في علوم القرآن

فلو كان محمد صاحب هذا التنزيل ، لخرج عن مستوى الخلق جملة ، ولظهر في أفق الألوهية ، يطل على العالم بعظمة تنقطع دونها الأعناق وتخضع لها الرقاب ، وأن يحقق كل ما اقترحه معارضوه من الآيات ، ولكنه اعترف بعبوديته حينذاك ، وتبرأ من حوله وقوته إزاء هذا الكتاب وغيره من المعجزات وخوارق العادات . اقرأ في سورة الإسراء : وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ . وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ . قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي ، هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ . الوجه الرابع عشر : تأثير القرآن ونجاحه ومعنى هذا أن القرآن بلغ في تأثيره ونجاحه مبلغا خرق به العادة في كل ما عرف من كتب اللّه والناس . وخرج عن المعهود في سنن اللّه من التأثير النافع بالكلام وغير الكلام . وبيان ذلك أن الإصلاح العام الذي جاء به القرآن والانقلاب العالمي الذي تركه هذا الكتاب ، ما حدث ولم يكن ليحدث في أي عهد من عهود التاريخ قديمه وحديثه إلا على أساس من الإيمان العميق القائم على وجدان قوى ، بحيث يكون له من السلطان القاهر على النفوس ، والحكم النافذ على العواطف والميول ، ما يصد الناس عن نهجهم الأول في عقائدهم التي توارثوها ، وعبادتهم التي ألفوها ، وأخلاقهم التي نشئوا عليها ، وعاداتهم التي امتزجت بدمائهم ، وما يحملهم على اعتناق هذا الدين الجديد الذي هدم تلك الموروثات فيهم ، وحارب تلك الأوضاع المألوفة لديهم . وهذا الأساس الذي لا بد منه ، تقصر عنه في العادة جميع الكتب التعليمية التي يؤلفها العلماء والمصلحون ، وتعجز عن إيجاده كافة القوانين البشرية التي يضعها القادة والمتشرعون ، لأن قصارى هذه الكتب والقوانين - إذا وفقت - أن تشرح الحقائق وتبين الواجبات ،