الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

296

مناهل العرفان في علوم القرآن

التي كانت تعروه صلّى اللّه عليه وسلّم عند الوحي ، لم تكن من عادته في تحضير كلامه لا قبل النبوة ولا بعدها ، ولم تكن من عادة أحد من قومه . بل كان ديدنهم جميعا تحضير الكلام في نفوسهم وكفى ! الوجه الحادي عشر آية المباهلة وذلك أن القرآن دعا إلى المباهلة - وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى اللّه بحرارة واجتهاد ، فأبى المدعوون وهم النصارى من أهل نجران ، أن يستجيبوا لها وخافوها ولا ذوا بالفرار منها ، مع أنها لا تكلفهم شيئا سوى أن يأتوا بأبنائهم ونسائهم ويأتي الرسول بأبنائه ونسائه ، ثم يجتمع الجميع في مكان واحد يبتهلون إلى اللّه ويضرعون إليه ، بإخلاص وقوة ، أن ينزل لعنته وغضبه على من كان كاذبا من الفريقين . قال سبحانه في سورة آل عمران : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ . وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * . « ورد أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى ننظر ، فقال العاقب وكان ذا رأيهم : واللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، وما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم . ولئن فعلتم لتهلكن . فإن أبيتم الا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم . فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد غدا محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن ، وفاطمة تمشى خلفه وعلىّ خلفها وهو يقول : « إذا أنا دعوت فأمنوا » . فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها . فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني ! . فقالوا : يا أبا القاسم ، رأينا ألا نباهلك فصالحهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ألفي حلة كل سنة . فقال عليه السلام : « والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران . ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير » .