الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

284

مناهل العرفان في علوم القرآن

يبدو له في إصلاحه . ولكن ذلك لا يكون إلا إذا فهم الكافة سداد هذا الرأي وعملوا به . عند ذاك يوجد في المجتمع ميل جديد للتحول عن الجهة التي يراد تحويله منها ، إلى الوجهة التي يريده على أن يكون عليها . وهذا كله مصداق لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فمعنى الآية أن الأمة التي تريد أن يحول اللّه عنها حالا لا ترضاه لمجتمعها ، يجب عليها أن تغير من نفسيتها أو لا فإن فعلت حول اللّه عنها ما تكره ، ووجه إليها من نعمه ما تحب . وهذا وحده معجزة علمية للقرآن كان يجب أن يعقد لها فصل خاص ، وأن يشاد بذكرها أعظم إشادة ! فكشف هذا السر يجعلنا ندرك سر تنبيه القرآن على وجوب الدعوة إلى المعروف والنهى عن المنكر - وبعد أن ساق أدلة عن الكتاب والسنة على ذلك قال : القرآن أثبت أن للاجتماع نواميس ثابتة قبل أن يتخيلها أعلم علماء الأرض تخيلا وقد رأيت أن تعيين تلك النواميس والتحسس مما خفى منها هو الشغل الشاغل اليوم لفلاسفة الاجتماع . فقال تعالى : سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . وقال تعالى فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ . وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا . ولم يكتف الكتاب بهذا وحده . ولكنه قرر أيضا أن الجماعات كالآحاد ، لها آجال لا تستطيع أن تتعداها . وهو ما هدى إليه علم الاجتماع بعد أن وجد أن وجوه الشبه بين الفرد والمجتمع واحدة ، فقال تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ . وقد تكرر مثلها في سور كثيرة من القرآن الكريم . فالذي يتأمل في سبق القرآن الكريم العالم كله أكثر من عشرة قرون في وضع أصول العلم الاجتماعي ، ويكون من غير أهل هذا الدين ، يدهش كل الدهش ، ولا يكاد يصدق عينيه . وسندأب نحن من جهتنا على تجلية الأصول العلمية مستخرجين إياها من