الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

285

مناهل العرفان في علوم القرآن

الكتاب الكريم ، ليتحقق العالم أنه على ما يقوله موحيه سبحانه وتعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ . وبذلك يتضح سر نهضة المسلمين التي حصلت لهم زعامة العلم والحكمة في العالم في سنين معدودة ، فإنهم لو كانوا بدءوا حياتهم العلمية على النحو الذي تبدؤها به كل أمة ، ما استطاعوا أن يبزوا الأمم التي تقدمتهم في هذا السبيل بقرون كثيرة . ولكنهم لبدئهم إياها مستنيرين بهذه الأصول القرآنية العالية ، بلغوا منها أوجا في مدى قصير لم تبلغه أمة في آماد طويلة . وعلى المسلمين اليوم أن يدركوا هذا الأمر الجلل ، وأن يجعلوا كتابهم نبراسا لهم في اقتباسهم العلم عن الأمم الغربية ، ليبلغوا منه ما بلغه أسلافهم في عهدهم الأول ، ويزيدوا عليه ما هدى إليه البشر في العصور الأخيرة اه . الوجه الثامن آيات العتاب ومعنى هذا أن القرآن سجل في كثير من آياته بعض أخطاء في الرأي على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ووجه إليه بسيبها عتابا نشعر بلطفه تارة وبعنفه أخرى . ولا ريب أن العقل المنصف يحكم جازما بأن هذا القرآن كلام اللّه وحده ، ولو كان كلام محمد ما سجل على نفسه هذه الأخطاء وهذا العتاب ، يتلوهما الناس بل ويتقربون إلى اللّه بتلاوتهما حتى يوم المآب . الخطأ في الاجتهاد ليس معصية : وننبهك في هذه المناسبة إلى أن هذا الخطأ ليس معصية ، حتى يقدح ذلك في عصمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إنما هو خطأ فحسب ، بل هو من نوع الخطأ الذي يستحق صاحبه أجرا ، لأنه صادر عن اجتهاد منه . والاجتهاد الصالح - وهو بذل الجهد في الاطلاع والبحث والموازنة والاستنتاج - مجهود شاق يبذله صاحبه لغرض شريف ، فليس من الإنصاف حرمانه من