الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
259
مناهل العرفان في علوم القرآن
وهكذا كثيرا ما نسمع في القرآن أمثال قوله سبحانه أَ فَلا يَسْمَعُونَ - قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * - أَنَّى يُؤْفَكُونَ - قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ - أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى غير ذلك مما يرفع كرامة الإنسان ، ويحاكم أهم الأمور حتى العقيدة في اللّه تعالى إلى العقول ، ليصل المرء من وراء ذلك إلى اقتناع الضمير واطمئنان القلب وبرد اليقين وحرارة الإيمان ! . ( سادسها ) استغلاله الغرائز النفسية استغلالا صالحا بعد أن يهذبها بالدليل ويصقلها بالبرهان . هذه غريزة التقليد والمحاكاة في الإنسان مثلا قد نأى بها القرآن عن احتذاء الأمثلة السيئة من الجهلة والفسقة ، وذهب بها إلى مقام أمين من وجوب اتباع الأمثلة الطيبة والتأسي بمن أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . وهذه غريزة حب البقاء والعلو في الإنسان ، قد نأى بها القرآن أيضا عن الظلم والبغى ، وذهب بها إلى حيث الدفاع عن النفس والعرض والدين والوطن ، وقاد بها عباد اللّه إلى الحق والخير ، إذ وعدهم حياة ثانية فيها الخلود والبقاء ، وفيها الملك الواسع والاستعلاء العادل « وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً . وهكذا دخل القرآن على الناس من هذا الباب فقادهم من غرائزهم حتى ناط أوامره بمصالحهم ، ونواهيه بمفاسدهم ، وجعل ذلك قاعدة عامة قال فيها : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها . وإن أردت تفصيلا وتمثيلا . فانظر إلى تلك المقارنة الرائعة بين المؤمن والمشرك إذ يقول سبحانه : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ .