الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
260
مناهل العرفان في علوم القرآن
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . فأنت ترى في هذه الآية الكريمة أن المشرك مع معبوديه ، مثله مثل عبد اشترك فيه شركاء متنازعون مختلفون ، كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في أعمال شتى ، وهو متحير متعب مجهود لا يدرى أيهم يرضى بخدمته ؟ وعلى أيهم يعتمد في حاجاته ؟ ولا يدرى ممن يطلب رزقه وممن يلتمس رفقه ؟ . فهمه شعاع ، وقلبه أوزاع . أما المؤمن فمثله مثل عبد له سيد واحد ، فهمه واحد وقلبه مجتمع وضميره مستريح وعمله مريح . أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ؟ ! . وإن أردت مثالا ثانيا فاستمع إلى القرآن وهو يقول في فريضة الصلاة : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً . إِلَّا الْمُصَلِّينَ الخ . وقوله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . وإن أردت أمثلة أخرى فاقرأ قوله سبحانه في فرض الزكاة : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها . وفي فرض الصيام : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . وفي فرض الحج : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ الخ . وفي عموم الإيمان والعمل الصالح ، مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . ( سابعها ) ترتيبه الأوامر والنواهي ترتيبا يسع جميع الناس ، على تفاوت استعدادهم ومواهبهم . فالأوامر الدينية درجات : هذا إيمان ، وهذا إسلام ، وهذا ركن ، وهذا فرض وهذا واجب ، وهذا مندوب مؤكد ، وهذا مندوب غير مؤكد . والمناهى كذلك درجات : هذا نفاق ، وهذا شرك ، وهذا كفر ، وهذه كبيرة وهذه صغيرة ، وهذا مكروه تحريما ، وهذا مكروه تنزيها . . وما وراء هذه الأوامر والنواهي فمباحات ، لكل أن يأخذ وأن يدع منها ما شاء .