الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
258
مناهل العرفان في علوم القرآن
بموضوع معين ، ويختص كل فصل من فصول هذا الباب بمسالة أو مسائل وهكذا . فأنت تجد في الغالب كل سورة من سور القرآن جامعة لمزيج من مقاصد وموضوعات ، يشعر الناظر فيها بمتعة ولذة ؛ كلما تنقل بين هذه المقاصد في السورة الواحدة ، كما يشعر الآكل باللذة والمتعة كلما وجد ألوانا شتى من الأطعمة على المائدة الواحدة . وإذن ففي هذا النمط الذي اختاره القرآن فائدتان : دفع السأم والملل عن الناظر في هذا الكتاب ، وانقياد النفوس إلى هداياته بلباقة من حيث لا تحس بغضاضة . يضاف إلى هذا ما نلمحه من الوحدة الفنية في السورة أو القطعة الواحدة ، ومن وفاء القرآن بجميع الاصطلاحات البشرية ، على رغم هذا الانتشار القاضي في العادة بعدم الانسجام وبفوات شئ أو أشياء من مقاصد التأليف وأغراض المؤلفين . حتى ليبدو ذلك وجها جديدا من وجوه الإعجاز ، يؤمن به عن خبرة وإحساس كل من ابتلى بتأليف أو مزاولة آثار المؤلفين ! ( رابعها ) تكرار ما يستحق التكرار من الأمور المهمة ، حتى يجد سبيله إلى النفوس النافرة والطباع العصية ، فتسلس له القيادة وتلقى إليه السلم ، مثال ذلك تقرير القرآن لعقيدة التوحيد واستئصاله لشأفة الشرك ، بوساطة الحديث عنهما مرارا وتكرارا : تارة يصرح وأخرى يلوح . وتارة يوجز وأخرى يطنب . وتارة يذكر العقيدة مرسلة وأخرى يذكرها مدللة . وتارة يشفعها بدليل واحد وأخرى بجملة أدلة . وتارة يضرب لها الأمثال وأخرى يسوق فيها القصص . وتارة يقرنها بالوعد وأخرى بالوعيد . وهلم . ( خامسها ) مخاطبته العقول والأفكار ، ودعوته إلى أعمال النظر وطلب الدليل والبرهان ، ونعيه على من أهملوا العقول واستمرءوا التقليد الأعمى ، وركنوا إلى الجمود . اقرأ قوله سبحانه : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا . أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ . وقوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وقوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ . أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ .