الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

253

مناهل العرفان في علوم القرآن

إثبات ونفى . فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم . وما قرره علماء الطبيعة في الماضي يقرر غيره علماء الطبيعة في الحاضر . وما أثبته المؤرخون قديما ينفيه المؤرخون حديثا وما أنكره الماديون وأسرفوا في إنكاره باسم العلم ، أصبحوا يثبتونه ويسرفون في إثباته باسم العلم أيضا ، إلى غير ذلك مما زعزع ثقتنا بما يسمونه العلم ، ومما جعلنا لا نطمئن إلى كل ما قرروه باسم هذا العلم ، حتى لقد ظهر في عالم المطبوعات كتاب خطير من مصدر علمي محترم عندهم ، له خطورته وجلالته وشأنه ، فصدع هذا الكتاب بناء علمهم وزلزل أركان الثقة به ، بعد أن نقض بالدليل والبرهان كثيرا من المقررات والمسلمات التي يزعمونها يقينية . ثم انتهى بقارئه إلى أن هذا الكون غامض متغلغل في الغموض والخفاء ، ومن هنا سمى تأليفه ( الكون الغامض ) . وهذا المؤلف هو السير جميس جينز . فهل يليق - بعد ذلك كله - أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذي اصطلحوا عليه وتحاكموا إليه ، وقد سجنوه وسجنوا أنفسهم معه في سجن ضيق هو دائرة المادة ، تلك الدائرة المسجونة هي أيضا في حدود ما تفهم عقولهم وتصل تجاربهم ، وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة ؟ ؟ ! ثم هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية القارة الثابتة ، المتنزلة من أفق الحق الأعلى الذي يعلم السر وأخفى ؟ ! ألا إن القرآن لا يفر من وجه العلم . ولكنه يهفو إلى العلم ويدعو إليه ويقيم بناءه عليه ، فأثبتوا العلم أولا ووفروا له الثقة وحققوه ، ثم اطلبوه في القرآن فإنكم لا شك يومئذ واجدوه . وليس من الحكمة ولا الإنصاف في شئ أن نحاكم المعارف العليا إلى المعارف لدنيا ، ولا أن نحبس القرآن في هذا القفص الضيق الذي انحبست فيه طائفة مخدوعة من لبشر ، بل الواجب أن نتحرر من أغلال هذه المادة المظلمة ، وأن نطير في سماوات القرآن حيث نستشرف المعارف النورانية المطلقة ، والحقائق الإلهية المشرقة ، وأن نوجه اهتمامنا دائما إلى استجلاء عظات هذا التنزيل وهداياته الفائقة ، وألا نقطع برأي في تفاصيل