الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
254
مناهل العرفان في علوم القرآن
ما يعرض له القرآن من الكونيات إلا إن كان لنا عليه دليل وبرهان لا شك فيه ولا نكران ، وإلا وجب أن نتوقف عن هذه التفاصيل ، ونكل علمها إلى العالم الخبير ، قائلين ما قالت الملائكة حين أظهر اللّه لهم على لسان آدم ما لم يكونوا يحتسبون : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . كلمة في الموضوع والآن يروقنى أن أنقل لك مقتطفات قيمة للعلامة المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش في هذا الموضوع لكن يتصرف قليل : 1 - ليست مهمة القرآن كسائر الكتب السماوية البحث في الشؤون الكونية والمسائل العلمية والفنية ، على النحو المألوف في الكتب الخاصة الموضوعة فيها . 2 - لما جاء القرآن الكريم كان في جزيرة العرب من العقائد الفاسدة والعلم الخاطئ بالكونيات أضعاف ما كان منها لدى بني إسرائيل عندما أخرجهم موسى صلى اللّه عليه وسلم من مصر ، فكان من الحكمة الإلهية أن يتنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم في سبيل تصحيح تلك العقائد والمعلومات أضعاف ما تنزل على موسى في سفر التكوين . . والحكمة البالغة في ذلك أن الدعوة إلى توحيد الخالق وتقرير الحق من العقائد وقبول ما يلي ذلك من الشرائع والأخلاق ، ما كانت لتجد سبيلها إلى قلوب عرفت للأجرام العلوية في ألوهيتها وتزاوجها وما كان من أثرها في تكوين هذه الكائنات ونظامها ، ما قررته العقلية القديمة في بلاد مصر والإغريق ، وما بثته في جزيرة العرب وما حولها أساطير الأشوريين والبابليين والكلدانيين . إذن كان لزاما أن يسترعى القرآن انتباه الناس إلى وجه الخطأ في عقائدهم ، وأن يشككهم في الباطل الذي اتبعوه ، لأنهم وجدوا عليه آباءهم ، وأن يطلقهم بذلك من الحجر الذي أشقاهم وألحقهم بالأنعام من الحيوان .