الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
252
مناهل العرفان في علوم القرآن
على سامعيه في كل جيل وقبيل ، فإذا هو واضح فيما سيق له من دلالة الإنسان وهدايته إلى اللّه ، ثم إذا هو مجمل التفاصيل ، يختلف الخلق في معرفة تفاريعه ودقائقه ، باختلاف ما لديهم من مواهب ووسائل وعلوم وفنون . ولنضرب لذلك مثلا : تلك الآية الحكيمة وهي قوله عز اسمه : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فإنها مرت على بنى الإنسان منذ نزلت إلى الآن ، ففهموا منها جميعا أن اللّه تعالى يدل على قدرته وإبداعه وكماله بأنه خلق من الأشياء متنوعات مختلفة الأشكال والخصائص . لكنهم اختلفوا بعد ذلك . فالأوائل يؤثر عنهم أن الزوجين في الآية الكريمة ، هما الأمران المتقابلان تقابلا ما . لا بخصوص الذكورة والأنوثة ؛ روى عن الحسن أنه فسر الزوجين بالليل والنهار والسماء والأرض ، والشمس والقمر ، والبر والبحر ، والحياة والموت ، وهكذا عدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج ، واللّه تعالى فرد لا مثيل له . . أما المتأخرون ففهموا أن الزوجين في الآية ، هما الأمران المتقابلان بالذكورة والأنوثة ، ويقولون : إنه ما من شئ في الوجود إلا منه الذكر والأنثى ، سواء في ذلك الإنسان والحيوان والجماد وغيرها مما لا نعلم ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ . ويقولون : إن أحدث نظرية في أصول الأكوان تقرر أن أصول جميع الكائنات تتكون من زوجين اثنين ، وبلسان العلم الحديث ( ألكترون وپروتون ) . ولا أحب أن نتوسع في هذا ، فبين أيدينا أمثلة كثيرة ومؤلفات جمة ، تموج وتضطرب باستنباط علوم الكون من القرآن ، أو بتفسير القرآن وشرحه بعلوم الكون . وأحدثها فيما أعلم كتاب تحت الطبع الآن ألفه شاب فاضل مثقف وسماه ( بين القرآن والعلم ) وضمنه شتيتا من الأبحاث المختلفة في الاجتماع وعلم النفس وعلم الوراثة والزراعة والتغذية وفيما وراء الطبيعة ، مما لا يتسع المقام لذكره ، ومما لا نرى حاجة إليه ، خصوصا بعد أن تبين لنا أن العلوم الكونية خاضعة لطبيعة الجزر والمد ، أن أبحاثا كثيرة منها لا تزال قلقة حائرة بين