الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

232

مناهل العرفان في علوم القرآن

قصار ، وأن مقدارها من آية أو آيات طويلة له حكم السورة ، وأن لأسلوب التنزيل سبع خواص لا توجد واحدة منها على كمالها في أي كلام آخر ، كما بسطنا القول في ذلك بالمبحث الآنف . . . فيخلص لنا في ضوء هذه الحقائق أن القرآن مشتمل على آلاف من المعجزات لا معجزة واحدة كما يبدو لبعض السذج والسطحيين ؟ . وإذا أضفنا إلى هذا ما يحمل القرآن من وجوه الإعجاز التالية ، تراءت لنا معجزات متنوعات شتى تجل عن الإحصاء والتعداد وسبحان من يجعل من الواحد كثرة ومن الفرد أمة ! أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أي لكان هذا القرآن ! . معجزات القرآن خالدة وهنا نلفت النظر إلى أن القرآن بما اشتمل عليه من هذه المعجزات الكثيرة ، قد كتب له الخلود ، فلم يذهب بذهاب الأيام ، ولم يمت بموت الرسول عليه الصلاة والسلام . بل هو قائم في فم الدنيا يحاج كل مكذب ، ويتحدى كل منكر ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية الإسلام وسعادة بنى الإنسان . ومن هذا يظهر الفرق جليا بين معجزات نبي الإسلام صلى اللّه عليه وسلم ومعجزات إخوانه الأنبياء عليهم أزكى الصلاة وأتم السلام فمعجزات محمد في القرآن وحده آلاف مؤلفة ، وهي متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها . أما معجزات سائر الرسل فمحدودة العدد ، قصيرة الأمد ، ذهبت بذهاب زمانهم ، وماتت بموتهم ، ومن يطلبها الآن ، لا يجدها إلا في خبر كان ، ولا يسلم له شاهد بها إلا هذا القرآن ؟ . وتلك نعمة يمنها القرآن على سائر الكتب والرسل وما صح من الأديان كافة . قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . وقال عز اسمه . آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ .