الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

233

مناهل العرفان في علوم القرآن

حكمة بالغة في هذا الاختيار وهنا نقف هنيهة ، لنعلم أن حكمة اللّه البالغة قضت أن تكون معجزة الإسلام باقية بجانبه تؤيده وتعززه إلى قيام الساعة ، حتى لا يكون لأحد عذر في ترك هذا الدين الأخير ، الذي هو خاتمة الأديان والشرائع . لذلك اختار سبحانه أن تكون معجزة الإسلام شيئا يصلح للبقاء ، فكانت دون سواها كلاما ما يتلى في أذن الدهر ، وحديثا يقرأ على سمع الزمان . وكان من أسرار الإعجاز فيه بلوغه من الفصاحة والبيان مبلغا يعجز الخلق أجمعين . وكان من عدله تعالى ورحمته ، أن اللغة التي صيغت بها هذه المعجزة ، هي اللغة العربية دون غيرها من اللغات ؛ لأن اللغة العربية حين مبعث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كانت قد بلغت لدى الشعب العربي أوج عظمتها من الاعتناء بها ، والاعتداد بالنابغين فيها ، والاعتزاز بالجيد منها . وكان هذا الشعب العربي قد استكملت له حينذاك ملكة في النقد والمفاضلة ، تؤهله بسهولة ويسر ، للحكم على جيد الكلام وزيفه ، ووضع كل كلام في درجته من العلو أو النزول . وترجع براعتهم في هذه الناحية إلى أنهم كانوا قد وقفوا عليها حياتهم ، والتمسوا من ورائها عظمتهم . وعلقوا عليها آمالهم . ولا يغيبن عنك أن هذا الشعب العربي كان مطبوعا أيامئذ على الصراحة في الرأي ، لا يعرف النفاق ولا الذبذبة . وكانوا فوق ذلك شجعانا يأنفون الذل ويعافون الضيم ، مهما كلفتهم سجاياهم هذه من بذل مال وسفك دم . فلما نزل القرآن لم يسع هذا الشعب الحر الصريح الأبى المتمهر في لغته ، إلا أن يلقى السلاح من يده ، ويخضع لسلطان هذا التنزيل وبلاغته . ويدين له ويؤمن به ، عن إدراك ووجدان ، بعد أن ذاق حلاوته ولمس إعجازه ، وحكم بملكته العربية الناقدة وصراحته المعروفة السافرة ، وشجاعته النادرة الفائقة ، أن هذا الذكر الحكيم ، لا يمكن أن يكون كلام مخلوق من البشر ولا غير البشر ، إنما هو تنزيل من حكيم حميد .