الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

222

مناهل العرفان في علوم القرآن

تعليق وتمثيل : يحلو لي أن أسوق إليك هنا كلمة قيمة ، فيها تعليق وتمثيل لما نحن بصدده ، وهي لصديقنا العلامة الجليل الشيخ محمد عبد اللّه دراز في كتابه ( النبأ العظيم ) الذي اقتبسنا منه فيما يتصل بإعجاز القرآن كثيرا . « قلنا : إن القرآن الكريم يستثمر دائما برفق أقل ما يمكن من اللفظ ، في توليد أكثر ما يمكن من المعاني . أجل : تلك ظاهرة بارزة فيه كله ، يستوى فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز ، ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب . ولذلك نسميه إيجازا كله ، لأننا نراه في كلا المقامين لا يجاوز سبيل القصد ، ولا يميل إلى الإسراف ميلا ما . ونرى أن مراميه في كلا المقامين لا يمكن تأديتها كاملة العناصر والحلى بأقل من ألفاظه ولا بما يساويها ، فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة ، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى . دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية : إنها « مقحمة » وفي بعض حروفه إنها « زائدة » زيادة معنوية . ودع عنك قول الذي يستخف كلمة التأكيد فيرمى بها في كل موطن يظن فيه الزيادة ، لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو لا تكون ، ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لا حاجة له به . أجل : دع عنك هذا وذاك ؛ فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها ، إنما هو ضرب من الجهل - مستورا أو مكشوفا - بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن . وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية على ضوء هذا المصباح ، فإن عمى عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف ، فإياك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون ، ولكن قل قولا سديدا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف قل : « اللّه أعلم بأسرار كلامه ، ولا علم لنا إلا بتعليمه » ثم إياك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار