الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
212
مناهل العرفان في علوم القرآن
وتنوع مقاصده ، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد . وآية ذلك أنك إذا تأملت في القرآن الكريم ؛ وجدت منه جسما كاملا تربط الأعصاب والجلود والأغشية بين أجزائه ولمحت فيه روحا عاما يبعث الحياة والحس على تشابك وتساند بين أعضائه . فإذا هو وحدة متماسكة متآلفة ، على حين أنه كثرة متنوعة متخالفة . فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ، ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ، ما جعلها وحدة صغيرة متآخذة الأجزاء متعاقبة الآيات . وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابا سوىّ الخلق حسن السمت ، قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ . فكأنما هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار وتلعب بالعقول والأفكار ، على حين أنها مؤلفة من حلقات ، لكل حلقة منها وحدة مستقلة في نفسها ذات أجزاء ، ولكل جزء وضع خاص من الحلقة ، ولكل حلقة وضع خاص من السبيكة ، لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد ، جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة ، وحدة بديعة متآلفة ، تريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء ، ثم بين كل حلقة وحلقة ثم بين أوائل السبيكة وأواخرها وأواسطها . يعرف هذا الإحكام والترابط في القرآن ، كل من ألقى باله إلى التناسب الشائع فيه ، من غير تفكك ولا تخاذل ، ولا انحلال ولا تنافر بينما الموضوعات مختلفة متنوعة ، فمن تشريع إلى قصص إلى جدل إلى وصف إلى غير ذلك . وكتب التفسير طافحة ببيان المناسبات ، فنحيلك عليها ، ونكتفي بمثل واحد نضربه مع الاختصار والاقتصار . هذه سورة الفاتحة ، تأمل كيف تترابط وتتناسق في حسن تخلص من معنى إلى معنى ، ومن مقصد إلى مقصد : لقد افتتحت متوجة « باسم اللّه » كما يتوج القاضي كل حكم من أحكامه باسم جلالة الملك ، لإعلان الجهة التي يستمد منها نفوذه في صدور أحكامه ، ثم انتقل الكلام فيها سريعا إلى الاستدلال على أن الاستعانة إنما هي به تعالى وحده ، وذلك بإضافة الاسم إلى لفظ الجلالة الذي هو اسم الذات الجامع لصفات الكمال ، وبوصف لفظ الجلالة بأنه