الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

213

مناهل العرفان في علوم القرآن

« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » . ثم انتقل الكلام إلى إعلان أنه تعالى مستحق للمحامد كلها ، ما دام أنه المستعان وحده بالدليل . ثم انتقل الكلام إلى تدعيم هذا الاستحقاق بأدلة ثلاثة جرت على اسم الجلالة مجرى الأوصاف في مقام حمده . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * . ثم انتقل الكلام إلى إعلان وحدانيته ، في ألوهيته ، وربوبيته إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ما دام أنه هو المعين وحده ، ومستحق المحامد كلها وحده . ثم انتقل الكلام في براعة إلى بيان المطمح الأعلى للإنسان ، وأن هذا المطمح الأعلى هو الهداية إلى الصراط المستقيم ، وأنه لا سبيل إلى الوصول إلى هذا المطمح عن طريق أحد إلا عن طريق اللّه وحده ، بقرينة ما سبق من أدلة التوحيد والتمجيد قبله . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . ثم انتقل الكلام من حيث لا تشعر أو من حيث تشعر ، إلى تقسيم الخلق بالنسبة إلى هذه الهداية ثلاثة أقسام ، تنبيها وإغراء على المقصود ، وتحذيرا وتنفيرا من الوقوع في نقيض هذا المقصود صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . وإذا الناس أمام عينيك بين منعم عليه بمعرفة الحق واتباعه ، ومغضوب عليه بمخالفة الحق مع العلم به ، وضال رضى أن يعيش عيشة الأنعام ؛ في متاهة الجهالة والحيرة والضلال ، لا يكلف نفسه عناء البحث عن الحق ليتشرف بمعرفته ويسعد باتباعه . ثم تنظر في سورة البقرة ، فإذا هي وما بعدها ترتبط بالفاتحة ارتباط المفصل بالمجمل . فالهداية إلى الصراط المستقيم صراط من أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، تشرحها سورة البقرة وما وليها من سور القرآن . حيث جاءتنا بتفاصيل هذه الهداية ، في بيان كامل ، وعرض شامل . أما بعد ، فقد يظن بعض الجهلة ، أن هذه الوحدة الفنية البيانية في القرآن ، أمر تافه هين ، لا يسمو إلى حد التنويه به ، فضلا عن أن ينظم في عداد ما هو مناط للاعجاز . ولأجل الرد على هؤلاء ، نطلب منهم أن ينظروا نظرة فاحصة في كلام البلغاء وحملة الأقلام . فإن لم يكن عندهم نظر ولا ذوق ، فليستمعوا إلى حكم نقدة البيان وصيارفته عليهم ، بأنهم