الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
195
مناهل العرفان في علوم القرآن
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، والثاني متمسك بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثم يسمى كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، والآيات المخالفة متشابهة ، وإنما آل في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ووجوه ضعيفة . فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا ؟ . والجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد : منها أنه يوجب مزيد المشقة في الوصول إلى المراد . وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب إلى آخر ما نقلناه عنه فيما سبق من بيان حكم اللّه وأسراره في ذكر المتشابهات فاجعلها على بال منك في رفع هذه الشبهة ، وأضف إليها ما نقلناه آنفا عن ابن اللبان ، وما بسطناه في دفع الشبهات السالفة . وارجع إلى ما كتبناه في مثل هذا المقام بالمبحث السابع من هذا الكتاب . الشبهة الخامسة ودفعها . قال السيوطي في كتابه الإتقان : أورد بعضهم سؤالا وهو أنه هل للمحكم مزية على المتشابه أولا ؟ فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع وإلا فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلامه سبحانه سواء ، وإنه منزل بالحكمة . وأجاب أبو عبد اللّه النكرباذى بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه . فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار القبيح . ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال . والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم أصل والعلم بالأصل أسبق . ولأن المحكم يعلم ، مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا اه .