الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

196

مناهل العرفان في علوم القرآن

أقول : ويمكن دفع هذه الشبهة بوجه أقرب ، وهو أن المحكم له مزية على المتشابه ، لأنه بنص القرآن هو أم الكتاب على ما سلف بيانه والاعتراض بأن هذا ينقض الأصل المجمع عليه وهو أن جميع كلامه سبحانه سواء وأنه منزل بالحكمة : الاعتراض بهذا ساقط من أساسه لأن المساواة بين كلام اللّه إنما هي في خصائص القرآن العامة ، ككونه منزلا على النبي صلى اللّه عليه وسلم بالحق وبالحكمة وكونه متعبدا بتلاوته ومتحدى بأقصر سورة منه ، ومكتوبا في المصاحف ومنقولا بالتواتر ومحرما حمله ومسه على الجنب ونحو ذلك . والمساواة في هذه الخصائص لا تنافى ذلك الامتياز الذي امتازت به المحكمات . وكيف يتصور التنافي على حين أن كلا من المحكم والمتشابه له حكمه وله مزاياه ؟ فمزية المحكم أنه أم الكتاب إليه ترد المتشابهات ، ومزية المتشابه أنه محك الاختبار والابتلاء ، ومجال التسابق والاجتهاد ، إلى غير ذلك من الفوائد التي عرفتها . ثم كيف يتصور هذا التنافي والقرآن كله مختلف باختلاف موضوعاته وأحواله ، فمنه عقائد وأحكام ، وأوامر ونواه ، وعبادات وقصص وتنبؤات ، ووعد ووعيد ، وناسخ ومنسوخ ، وهلم مما يستنفد ذكره وقتا طويلا . ولا ريب أن كل نوع من هذه الأنواع له مزيته أو خاصته التي غاير بها الآخر ، وإن اشترك الجميع بعد ذلك في أنها كلها أجزاء للقرآن ، متساوية في القرآنية وخصائصها العامة وخلاصة هذا الجواب أن امتياز المحكم على المتشابه في أمور ، ومساواته إياه في أمور أخرى ، فلا تناقض ولا تعارض ، كما أن كل عضو من أعضاء جسم الإنسان له مزيته وخاصته التي صار بها عضوا والكل بعد ذلك يساوى الآخر في أنه جزء للإنسان في خصائصه العامة من حسن وحياة . الشبهة السادسة ودفعها . يقولون : إن الناظر في موقف السلف والخلف من المتشابه ، يجزم بأنهم جميعا مؤولون ؛ لأنهم اشتركوا في صرف ألفاظ المتشابهات عن ظواهرها . وصرفها عن ظواهرها تأويل لها