الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
18
مناهل العرفان في علوم القرآن
أو لأنه بتغير بتغير التوابع ، فيختلف باختلاف أحوال المخاطبين ، وباختلاف مقدرة المتكلمين ، وباختلاف الألسنة واللغات ، عكس ما تقدم . ولنضرب لك أمثالا توضح دقائق هذين النوعين . إذا أردت أن تخبر عن حاتم بالجود قلت : ( جاد حاتم ) إن كنت تخاطب خالى الذهن من هذا الخبر . وقلت : ( حاتم جواد ) إذا كنت تخاطب شاكا مترددا فيه . وقلت : ( إن حاتما جواد ) إذا كنت تخاطب منكرا غير مسرف في إنكاره . وقلت : ( واللّه إن حاتما لجواد ) إذا كان مخاطبك مسرفا في الإنكار . وقلت : ( حاتم سخى جواد ، كريم معطاء ) إذا كان المقام مقام مدح . وقلت : ( ما جواد إلا حاتم ) إذا كان مخاطبك يعتقد العكس وأن غير حاتم هو الجواد . وقلت ( حاتم ممدود السماط . أو كان في بنى طىء بحر كثير الفيضان ) إذا كان مخاطبك على شئ من الذكاء . وقلت : ( حاتم مهزول الفصيل . أو غمر حاتم بانعامه الأنام ) إذا كان مخاطبك على جانب عظيم من الذكاء . فأنت ترى أن هذه الأمثلة كلها دارت على معنى واحد استوت جميعها في أدائه ، هو نسبة الجود إلى حاتم ، فذلك هو المعنى الأولى أو الأصلي . ثم أنت ترى بعد ذلك أن المعنى الأولى زيدت عليه خصوصيات مختلفة ، ومزايا متغايرة بتغاير هذه الأمثلة ، ففي المثال الأول تجرد من مؤكدات الحكم ، لأن المخاطب خالى الذهن . وفي الثاني تأكيد باسمية الجملة استحسانا ؛ لأن المخاطب شاك . وفي الثالث تأكيد بمؤكدين : اسمية الجملة وإن ، لأن المخاطب منكر إنكارا يقتضيهما . وفي الرابع تأكيد بمؤكدات أربعة ، اسمية الجملة . وإن واللام والقسم ، لأن المخاطب مسرف في الانكار . وفي الخامس إطناب لأن المقام للمدح ، وهو يقتضى الاطناب . وفي السادس قصر للجود على حاتم ، لأن المخاطب يعتقد العكس ، فقصرت أنت قصر قلب لتعكس مراده عليه . وفي السابع تجوز في التعبير بكناية قريبة واستعارة تصريحية ، لأن المخاطب على شئ من الذكاء . وفي الثامن تجوز في التعبير بكناية بعيدة واستعارة مكنية ، لأن المخاطب على جانب عظيم من الذكاء ، بحيث تكفيه الإشارة الخفية واللمحة القصية .