الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
19
مناهل العرفان في علوم القرآن
ثم إن هذه النكات البلاغية ، والاعتبارات الزائدة ، يختص بها اللسان العربي كما أن لكل لغة خصائصها . وهذه الاعتبارات مع فصاحة المفردات هي مناط بلاغة الكلام والمتكلم . وعلوم البلاغة على سعتها ووفرة مباحثها وحسن بلاء الباحثين فيها ، لا تكفى وحدها لتصل بدارسها إلى مصاف البلغاء وذوى اللسن والبيان ، بل غايتها أن يعرف بها أن هذه الحال تقتضى هذا الاعتبار ، وأن تلك الحال تقتضى ذلك الاعتبار ، وهكذا . أما التطبيق والقدرة على الصياغة البلاغية فشأو بعيد ، يتوقف على أمور كثيرة . منها الإلمام بظروف الكلام وأحوال المخاطبين . ومنها الإحاطة بدرجة تلك الأحوال قوة وضعفا . ومنها الإتيان بالخصوصيات المناسبة لهذه الأحوال والمقامات . ومنها الذوق البلاغي أو الحاسة البيانية التي تكتسب بممارسة كلام البلغاء وأساليبهم . وترويض النفس على محاكاتهم وتقليدهم وإلا فكم رأينا من مهرة في علوم اللسان لا يحسنون صناعة الكلام ، ولا يستطيعون حيلة إلى أقل درجات البيان ، فضلا عن أن يبرزوا في هذا الميدان . والكلام البليغ بتفاوت تفاوتا بعيد المدى ، تبعا لدرجة توافر هذه الأمور فيه كلا أو بعضا ولم تعرف الدنيا ولن تعرف كلاما بلغ الطرف الأعلى والنهاية العظمى ، في الإحاطة بكل الخواص البلاغية ، سوى القرآن الكريم ، الذي انقطعت دونه أعناق الفحول من البلغاء وانبهرت في حلبته أنفاس الموهوبين من الفصحاء . حتى شهدوا على أنفسهم بالعجز حين شاهدوا روائع الإعجاز ، ورأوا أن كلامهم وإن علا فهو طبعة الخلق أما القرآن فهو طبعة الخلاق ! . « صِبْغَةَ اللَّهِ ! وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ؟ وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » مقاصد القرآن الكريم بما أن الترجمة عرفا لا بد أن تتناول مقاصد الأصل جميعا ، فإنا نقفك على أن للّه تعالى