الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
167
مناهل العرفان في علوم القرآن
القرآن محكم ومتشابه : ولقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه كله محكم ، إذ قال سبحانه : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ . وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه ، إذ قال جل ذكره : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً . وجاء فيه ما يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، إذ قال عز اسمه : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ » ولا تعارض بين هذه الإطلاقات الثلاثة ، لأن معنى إحكامه كله أنه منظم رصين ، متقن متين ، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي ، كأنه بناء مشيد محكم يتحدى الزمن ، ولا ينتابه تصدع ولا وهن . ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في إحكامه وحسنه ، وبلوغه حد الإعجاز في ألفاظه ومعانيه ، حتى إنك لا تستطيع أن تفاضل بين كلماته وآياته في هذا الحسن والإحكام والإعجاز ، كأنه حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها . وأما أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فمعناه أن من القرآن ما اتضحت دلالته على مراد اللّه تعالى منه ، ومنه ما خفيت دلالته على هذا المراد الكريم . فالأول هو المحكم ، والثاني هو المتشابه ، على خلاف يأتي بين العلماء في ذلك . بيد أن الذي اتفقوا عليه ولا يمكن أن يختلفوا فيه ، هو أنه لا تنافى بين كون القرآن كله محكما أي متقنا ، وبين كونه كله متشابها أي يشبه بعضه بعضا في هذا الإتقان والإحكام ، وبين كونه منقسما إلى ما اتضحت دلالته على مراد اللّه وما خفيت دلالته ، بل إن انقسامه هذا الانقسام محقق لما فيه كله من إحكام وتشابه بالمعنى السابق . وسيأتيك نبأ ذلك في بيان الحكمة من وجود متشابهات خفية إلى جانب واضحات ظاهرة في القرآن الكريم . ويمكنك أن ترجع هذه التأويلات إلى الإطلاقات اللغوية السالفة . فالقرآن كله محكم أي متقن ، لأن اللّه صاغه صياغة تمنع أن يتطرق إليه خلل أو فساد في اللفظ أو المعنى ، والقرآن متشابه ، لأنه يماثل بعضه بعضا في هذا الإحكام ، مماثلة مفضية إلى التباس التمييز بين آياته وكلماته في ذلك ، والقرآن منه محكم أي واضح المعنى المراد وضوحا يمنع الخفاء عنه ، ومنه متشابه فيه وجوه مختلفة من المماثلة مستلزمة لخفاء هذا المعنى المراد .