الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
168
مناهل العرفان في علوم القرآن
المعنى الاصطلاحي : يطلق المحكم في لسان الشرعيين على ما يقابل المنسوخ تارة ، وعلى ما يقابل المتشابه تارة أخرى . فيراد به على الاصطلاح الأول ، الحكم الشرعي الذي لم يتطرق إليه نسخ . ويراد به على الثاني ما ورد من نصوص الكتاب أو السنة دالا على معناه بوضوح لا خفاء فيه ، على ما سيأتي تفصيله . وموضوع بحثنا هنا هو هذا الاصطلاح الثاني . أما الأول فقد بيناه في المبحث السابق ، حيث عرفنا النسخ وبسطنا أدلته وأحكامه وما قيل فيه ، ومنه يعرف مقابله وهو المحكم ، « وبضدها تتميز الأشياء » وعلى هذا الاصطلاح يحمل ما أخرج عبد ابن عمير عن الضحاك قال : المحكمات ما لم ينسخ ، والمتشابهات ما قد نسخ . آراء العلماء في معنى المحكم والمتشابه يختلف العلماء في تحديد معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة : 1 - منها أن المحكم هو الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ ، أما المتشابه فهو الخفي الذي لا يدرك معناه عقلا ولا نقلا ، وهو ما استأثر اللّه تعالى بعلمه ، كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور . وقد عزا الألوسي هذا الرأي إلى السادة الحنفية . 2 - ومنها أن المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل أما المتشابه فهو ما استأثر تعالى بعلمه ، كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور . وينسب هذا القول إلى أهل السنة على أنه هو المختار عندهم . 3 - ومنها أن المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا من التأويل أما المتشابه فهو ما احتمل أوجها . ويعزى هذا الرأي إلى ابن عباس ، ويجرى عليه أكثر الأصوليين . 4 - ومنها أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان . أما المتشابه فهو الذي لا يستقل بنفسه ، بل يحتاج إلى بيان ، فتارة يبين بكذا ، وتارة يبين بكذا ، لحصول الاختلاف في تأويله ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد رضى اللّه عنه .