الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
149
مناهل العرفان في علوم القرآن
المجوزون ومناقشتهم : ما تقدم هو مذهب الجمهور : ولكن بعض المعتزلة وآخرين ، جوزوا أن يكون الإجماع ناسخا لكل حكم صلح النص ناسخا له . واستدلوا بأدلة : منها أن نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكوات ، ثابت بصريح القرآن ، وقد نسخ بإجماع الصحابة في زمن الصديق على إسقاطه . ونوقش هذا بوجوه : « أولها » أن الإجماع المذكور لم يثبت ، بدليل اختلاف الأئمة المجتهدين في سقوط نصيب هؤلاء . « ثانيها » أن العلة في اعتبار المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة ، هي إعزاز الإسلام بهم . وفي عهد أبى بكر اعتز الإسلام فعلا ، بكثرة أتباعه واتساع رقعته ، فأصبح غير محتاج إلى إعزاز ، وسقط نصيب هؤلاء المؤلفة لسقوط علته . « ثالثها » أنه على فرض صحة هذا الإجماع ، فإن الإجماع لا بد له من مستند . وإذن فالناسخ هو هذا المستند ، لا الإجماع نفسه . موقف العلماء من الناسخ والمنسوخ العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون ، بين مقصر ومقتصد وغال فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه ، كأبى مسلم ومن وافقه . وقد بينا الرأي في هؤلاء سابقا . والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة ، فلم ينفوه إطلاقا . كم نفاه أبو مسلم وأضرابه ، ولم يتوسعوا فيه جزافا كالغالين ، بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة ، مع معرفة المتقدم منها والمتأخر . والغالون هم الذين تزيدوا ، فأدخلوا في النسخ ما ليس منه ، بناء على شبه ساقطة . ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه « الناسخ والمنسوخ » وهبة اللّه بن سلامة ،