الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
150
مناهل العرفان في علوم القرآن
وأبو عبد اللّه محمد بن حزم ، وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ ، اشتباها منهم وغلطا . ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه ، مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها . منشأ غلط المتزيدين تفصيلا ونستطيع أن نرد أسباب هذا الغلط إلى أمور خمسة : ( أولها ) ظنهم أن ما شرع لسبب ثم زال سببه ، من المنسوخ . وعلى هذا عدوا الآيات التي وردت في الحث على الصبر وتحمل أذى الكفار أيام ضعف المسلمين وقلتهم ، منسوخة بآيات القتال ، مع أنها ليست منسوخة . بل هي من الآيات التي دارت أحكامها على أسباب ، فاللّه أمر المسلمين بالصبر وعدم القتال في أيام ضعفهم وقلة عددهم ، لعلة الضعف والقلة ثم أمرهم بالجهاد في أيام قوتهم وكثرتهم ، لعلة القوة والكثرة . وأنت خبير بأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وأن انتفاء الحكم لانتفاء علته لا يعد نسخا ، بدليل أن وجوب التحمل عند الضعف والقلة لا يزال قائما إلى اليوم ، وأن وجوب الجهاد والدفاع عند القوة والكثرة لا يزال قائما كذلك إلى اليوم . ( ثانيها ) توهمهم أن إبطال الإسلام لما كان عليه أهل الجاهلية ، من قبيل ما نسخ الإسلام فيه حكما بحكم ، كإبطال نكاح نساء الآباء ، وكحصر عدد الطلاق في ثلاث ، وعدد الزواج في أربع ، بعد أن لم يكونا محصورين ، مع أن هذا ليس نسخا ، لأن النسخ رفع حكم شرعي ، وما ذكروه من هذه الأمثلة ونحوها رفع الإسلام فيه البراءة الأصلية وهي حكم عقلي لا شرعي : ( ثالثها ) اشتباه التخصيص عليهم بالنسخ ، كالآيات التي خصصت باستثناء أو غاية مثل قوله سبحانه وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ * أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ