الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
133
مناهل العرفان في علوم القرآن
2 - نسخ القرآن بالسنة ( القسم الثاني ) نسخ القرآن بالسنة . وقد اختلف العلماء في هذا القسم بين مجوز ومانع . ثم اختلف المجوزون بين قائل بالوقوع وقائل بعدمه . وإذن يجرى البحث في مقامين اثنين . مقام الجواز ومقام الوقوع . . ( ا ) مقام الجواز : القائلون بالجواز هم مالك وأصحاب أبي حنيفة وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة . وحجتهم أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأن السنة وحى من اللّه كما أن القرآن كذلك ، لقوله تعالى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ولا فارق بينهما إلا أن ألفاظ القرآن من ترتيب اللّه وإنشائه ؛ وألفاظ السنة من ترتيب الرسول وإنشائه ، والقرآن له خصائصه وللسنة خصائصها . وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله ، ما دام أن اللّه هو الذي ينسخ وحيه بوحيه . وحيث لا أثر لها ، فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر ، لا مانع يمنعه عقلا كما أنه لا مانع يمنعه شرعا أيضا ، فتعين جوازه عقلا وشرعا . هذه حجة المجيزين . أما المانعون - وهم الشافعي وأحمد في إحدى روايتين عنه وأكثر أهل الظاهر - فيستدلون على المنع بأدلة خمسة ، وها هي ذي مشفوعة بوجوه نقضها . ( دليلهم الأول ) أن اللّه تعالى يقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » . وهذا يفيد أن وظيفة الرسول منحصرة في بيان القرآن . والسنة إن نسخت القرآن لم تكن حينئذ بيانا له ، بل تكون رافعة إياه .