الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

134

مناهل العرفان في علوم القرآن

وننقض هذا الاستدلال ( أولا ) بأن الآية لا تدل على انحصار وظيفة السنة في البيان ؛ لأنها خالية من جميع طرق الحصر . وكل ما تدل عليه الآية هو أن سنة الرسول مبينة للقرآن ، وذلك لا ينفى أن تكون ناسخة له . ونظير هذه الآية قوله سبحانه تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ، فإنه يفيد أنه صلى اللّه عليه وسلم نذير للعالمين . ولا تنفى عنه أنه بشير أيضا للعالمين . ( ثانيا ) أن وظيفة السنة لو انحصرت في بيان القرآن ، ما صح أن تستقل بالتشريع من نحو إيجاب وتحريم ؛ مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقل بذلك كتحريمه صلى اللّه عليه وسلم كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع ، وكحظره أن يورث بقوله « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » . ( ثالثها ) أن السنة نفسها نصت على أنها قد تستقل بالتشريع وإفادة الأحكام ، يحدثنا العرباض بن سارية رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام فقال : « أيحسب أحدكم متكئا على أريكة يظن أن اللّه لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن . ألا إني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر . وإن اللّه لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إلا إذا أعطوكم الذي فرض عليهم » . ( رابعا ) أنه على فرض دلالة الآية على الحصر ، فالمراد بالبيان فيها التبليغ لا الشرح . ولقد بلغ الرسول كل ما أنزله اللّه إلى الناس ، وهذا لا ينافي أنه نسخ ما شاء اللّه نسخه بالسنة . ( خامسا ) أنه على فرض دلالة الآية على الحصر ، ودلالة البيان على خصوص الشرح ، فإن المراد بما أنزل إلى الناس ، هو جنسه الصادق ببعضه ، وهذا لا ينافي