الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
129
مناهل العرفان في علوم القرآن
والجواب من وجهين : ( أحدهما ) أن الامتحان الذي ذكروه ، لا يتحقق إلا بالعزم على ما أوجبه عليه لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب . وإذن فإبراهيم كان قد وجب عليه ذبح ولده ، حتى يكون عزمه على ذلك واجبا يتحقق به معنى الابتلاء والاختيار . ( والآخر ) أن المأمور به لو كان هو العزم دون الذبح ، لما كان هناك معنى للفداء لأن إبراهيم قد فعل كل ما أمره به ربه ، لم يترك شيئا ولم يخفف اللّه عنه شيئا . على زعمهم . ( ثالثها ) قالوا : إن الأمر في الحقيقة كان بمقدمات الذبح من إضجاع إبراهيم لولده ، وصرعه إياه على جبينه ، وإمراره لسكينه ، وما أمر إبراهيم بالذبح . والجواب أن إبراهيم قد جاء بهذه المقدمات ، فإذا كانت هي المأمور به دون الذبح ، فقد أدى إبراهيم كل ما عليه ، فأي معنى للفداء إذن ؟ ( رابعها ) قالوا : إن إبراهيم على فرض أنه كان مأمورا بالذبح نفسه ، قد بذل وسعه في الامتثال والتنفيذ . ولكن اللّه تعالى قلب عنق الذبيح نحاسا أو حديدا حتى لا ينقطع . فسقط التكليف عن إبراهيم لهذا العذر المانع لا لوجود الناسخ . والجواب من ثلاثة أوجه : ( الأول ) أن ما ذكروه من انقلاب عنقه حديدا أو نحاسا ، خبر موضوع ورواية هازلة لا أصل لها . ( الثاني ) أن وجوب الذبح لو سقط لهذا العذر ، لما كان هناك معنى للفداء . ( الثالث ) أنهم إذا جوزوا أن يأمرنا اللّه تعالى بالشئ ثم يحول بيننا وبينه بعذر من الأعذار ، فلا معنى لأن ينكروا أن يأمرنا اللّه بالشئ ثم يحول بيننا وبينه بالناسخ ، لأنه ليس بين الحيلولتين فارق مؤثر . ( خامسها ) قالوا : إن إبراهيم قد أدى الواجب وذبح ولده فعلا ، ولكن الجرح قد اندمل ، وعنق الذبيح قد اتصل والتأم ، فلا نسخ . ( 9 - مناهل العرفان 2 )