الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

125

مناهل العرفان في علوم القرآن

أما أنه أمره بالذبح فيرشد إليه : ( أولا ) قول إبراهيم لولده : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ لأن رؤيا الأنبياء حق من ناحية ، ولأن مفاوضة إبراهيم لولده في هذا الأمر الجلل ، تدل على أن هذا أمر لا بد منه من ناحية أخرى ، وإلا لما فاوضه تلك المفاوضة الخطيرة المزعجة التي هي أول مراحل السعي إلى التنفيذ . ( ثانيا ) أن إسماعيل أجاب أباه بإعلان خضوعه وامتثاله لأمر ربه « قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ . سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » . ( ثالثا ) أن إبراهيم اتخذ سبيله إلى مباشرة الأسباب القريبة للذبح ، حيث أسلم ولده ، وأسلم إسماعيل نفسه « فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ » ( رابعا ) أن اللّه ناداه بأنه قد صدّق الرؤيا ، أي فعل فعل من صدقها وحققها . ولو لم يكن هذا أمرا من اللّه واجب الطاعة ، ما مدحه اللّه على تصديقه لرؤياه ، وسعيه إلى تحقيق ما أمره مولاه ! ( خامسا ) أن اللّه فدى إبراهيم بذبح عظيم . فلو لم يكن ذبح إسماعيل مطلوبا ؛ لما كان ثمة داع يدعو إلى الفداء . ( سادسا ) أن اللّه امتدح إبراهيم بأنه من المؤمنين ومن المحسنين المستحقين لإكرام اللّه إياه بالفرج بعد الشدة ، وقرر سبحانه أن هذا هو البلاء المبين ، وكافأه بأنه ترك عليه في الآخرين « سلام على إبراهيم » . وكل ذلك يدل على أن اللّه أمره فأطاع ، وابتلاه أشد الابتلاء فاستسلم وانصاع . وأما أن اللّه نسخ هذا الأمر قبل تمكن إبراهيم من امتثاله ، فيرشد إليه محاولة إبراهيم للتنفيذ بالخطوات التي خطاها والمحاولات التي حاولها ، وهي مفاوضة ولده حتى يستوثق منه أو يتخذ إجراء آخر ، ثم استسلامهما بالفعل لحادث الذبح ؛ وصرعه فلذة كبده وقرة عينه على جبينه كما يضع السكين ويذبحه كما أمره رب العالمين . ولكن جاء النداء بالفداء قبل التمكن