الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
126
مناهل العرفان في علوم القرآن
من الامتثال وتنفيذ الذبح . وبعيد كل البعد ، بل محال في مجرى العادة ، أن يكون إبراهيم قد وجد فرصة يتمكن فيها من الامتثال قبل ذلك ثم تركها ، حتى يقال : إن النسخ بالفداء حصل بعد التمكن من الذبح فثبت أن أمره بالذبح قد نسخ بالفداء قبل التمكن من الامتثال . ووقوع هذا دليل الجواز ، بل هو أول دليل على الجواز . ( الدليل الثاني ) أنه جاء في السنة المطهرة ، ما يفيد أن اللّه تعالى فرض ليلة المعراج على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى أمته خمسين صلاة ، ثم نسخ اللّه في هذه الليلة نفسها خمسا وأربعين منها ، بعد مراجعات تسع من النبي صلى اللّه عليه وسلم بين موسى وربه . وواضح أن هذا النسخ في تلك المرات التسع كان من قبل أن يتمكن النبي وأمته من الامتثال . وهذا الوقوع أول دليل على الجواز كما هو مقرر . شبهات المنكرين ودفعها للمنكرين شبهات كثيرة ، منها ما صاغوه في صورة أدلة على إنكارهم ، ومنها ما وجهوه إلى أدلة المثبتين السابقة في صورة مناقشة لها وإبطال لدلالتها . وها هي ذي نضعها بين يديك مشفوعة بما يدحضها . الشبهة الأولى ودفعها : يقولون : لو نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله ، لكان طلبا مجردا من الفائدة ، ومثل هذا يكون عبثا . والعبث على اللّه محال . وندفع هذه الشبهة بأن الطلب في هذه الصورة لم يتجرد من الفائدة كما يزعمون . بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء اللّه لعباده : أيقبلون أم يرفضون ، فإن قبلوه وأذعنوا له وآمنوا به ووطنوا أنفسهم على امتثاله فلهم أجر كبير ، وظهر فضلهم كما ظهر فضل إبراهيم في ابتلائه بذبح ولده إسماعيل . مع أنه لم يتمكن من تنفيذ ما أمر به . ومن أبى من عباد اللّه مثل هذا الطلب بان ضلاله وخذلانه واستحق الحرمان والهوان ، عن عدل وإنصاف ، « وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » .