الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

112

مناهل العرفان في علوم القرآن

وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى ، ثبت جوازهما ، لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز كما هو مقرر . وإذن بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع ، كأبى مسلم ومن لف لفه . ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل ، وهم فريق من المعتزلة شذ عن الجماعة فزعم أن هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا . ويمكنك أن تفحم هؤلاء الشذاذ من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين فتقول : إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها ، وجواز الصلاة بها ، وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها ، شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما ، في أن كلا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم وقد تقتضى المصلحة نسخ الجميع ، وقد تقتضى نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض ، وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما ، ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكما ؛ ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة . وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه أولئك الشذاذ من الاستحالة العقلية للنوعين الأخيرين . شبهات أولئك المانعين ودفعها وتتميما للفائدة نعرض عليك شبهاتهم ، مفندين لها شبهة شبهة . الشبهة الأولى ودفعها : يقولون : إنّ الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم ، فلا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر . والجواب أن التلازم بين الآية وحكمها مشروط فيه انتفاء المعارض وهو الناسخ ، أما إذا وجد الناسخ فلا تلازم ، والأمر حينئذ للناسخ ، إن شاء رفع الحكم وأبقى على التلاوة ، وإن شاء عكس وإن شاء رفعهما معا ، على حسب ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة . ونظير