الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

113

مناهل العرفان في علوم القرآن

ذلك أن التلازم بين منطوق اللفظ ومفهومه مشروط فيه انتفاء المعارض . أما إذا وجد منطوق معارض للمفهوم ؛ فإن المفهوم حينئذ يعطل ، ويبقى العمل بالمنطوق وحده . الشبهة الثانية ودفعها : يقولون : إن نسخ الحكم دون التلاوة ، يستلزم تعطيل الكلام الإلهى وتجريده من الفائدة . وهذا عيب لا يرضى به عاقل لأقل نوع من كلامه ، فكيف يرضى به اللّه لأفضل كلامه ؟ . والجواب أنا لا نسلم هذا اللزوم . بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها ، تبقى مفيدة للاعجاز ، وتبقى عبادة للناس . وتبقى تذكيرا بعناية اللّه ورحمته بعباده حيث سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة من الأحكام يضاف إلى ذلك أن الآية بعد نسخ حكمها ، لا تخلو غالبا من دعوة إلى عقيدة ، أو إرشاد إلى فضيلة ، أو ترغيب في خير ؛ ومثل ذلك لا ينسخ بنسخ الحكم ، بل تبقى الآية مفيدة له ، لأن النسخ لا يتعلق به كما مر . الشبهة الثالثة ودفعها : يقولون : إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم ، يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم ، ذلك تلبيس وتوريط للعبد في اعتقاد فاسد ومحال على اللّه أن يشكك أو يورط عبده . والجواب أن ذلك التلبيس وهذا التوريط ، كان يصح ادعاؤهما واستلزام نسخ الحكم دون التلاوة لهما ، لو لم ينصب اللّه دليلا على النسخ . أما وقد نصب عليه الدلائل ، فلا عذر لجاهل ، ولا محل لتوريط ولا تلبيس ، لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه ، هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه : « قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين » . ( 8 - مناهل العرفان - 2 )