الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

107

مناهل العرفان في علوم القرآن

النار » فإنه لا يلزم أن يكون سابقا على الخبر الوارد بإيجاب الوضوء مما مست النار ، ولا يخلو وقوع هذا من حكمة عظيمة ، هي تخفيف اللّه عن عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد . قانون التعارض : وعلى ذكر التعارض في هذا الباب ، نبين لك أن النصين المتعارضين إما أن يتفقا في أنهما قطعيان أو ظنيان ، وإما أن يختلفا فيكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا . أما المختلفان فلا نسخ بينهما ، لأن القطعي أقوى من الظني ، فيؤخذ به ، وما كان اليقين ليترك بالظن . وأما المتفقان فإن علم تأخر أحدهما بطريق من تلك الطرق الثلاث المعتمدة ، فهو الناسخ والآخر المنسوخ . وإن لم يدل عليه واحد منها وجب التوقف . وقيل يتخير الناظر بين العمل بهما . هذا كله إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه التخصيص والتأويل . وإلا وجب الجمع ، لأن إعمال الدليلين أولى من إعمال دليل وإهدار آخر ، ولأن الأصل في الأحكام بقاؤها وعدم نسخها فلا ينبغي أن يترك استصحاب هذا الأصل إلا بدليل بين . ما يتناوله النسخ إن تعريف النسخ بأنه رفع حكم شرعي بدليل شرعي ، يفيد في وضوح أن النسخ لا يكون إلا في الأحكام . وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ ، لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة ، فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء . أما العقائد فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل ، فبدهى ألا يتعلق بها نسخ . وأما أمهات الأخلاق فلأن حكمة اللّه في شرعها ، ومصلحة الناس في التخلق بها .