الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
108
مناهل العرفان في علوم القرآن
أمر ظاهر لا يتأثر بمرور الزمن ، ولا يختلف باختلاف الأشخاص والأمم ، حتى يتناولها النسخ بالتبديل والتغيير . وأما أصول العبادات والمعاملات فلوضوح حاجة الخلق إليهما باستمرار ، لتزكية النفوس وتطهيرها ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق والخلق على أساسهما فلا يظهر وجه من وجوه الحكمة في رفعها بالنسخ . وأما مدلولات الأخبار المحضة فلأن نسخها يؤدى إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ والمنسوخ . وهو محال عقلا ونقلا . أما عقلا فلأن الكذب نقص ، والنقص عليه تعالى محال . وأما نقلا فلمثل قوله سبحانه : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً . نعم إن نسخ لفظ الخبر دون مدلوله جائز بإجماع من قالوا بالنسخ ولذلك صورتان : إحداهما أن تنزل الآية مخبرة عن شئ ثم تنسخ تلاوتها فقط . والأخرى أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شئ ثم ينهانا أن نتحدث به . وأما الخبر الذي ليس محضا . بأن كان في معنى الإنشاء ، ودل على أمر أو نهى متصلين بأحكام فرعية عملية ، فلا نزاع في جواز نسخه والنسخ بة ، لأن العبرة بالمعنى لا باللفظ . مثال الخبر بمعنى الأمر قوله تعالى : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فإن معناه ازرعوا . ومثال الخبر بمعنى النهى قوله سبحانه : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فإن معناه لا تنكحوا مشركة ولا زانية ( بفتح التاء ) ولا تنكحوهما ( بضم التاء ) ، لكن على بعض وجوه الاحتمالات دون بعض . والفرق بين أصول العبادات والمعاملات وبين فروعها ، أن فروعها هي ما تعلق بالهيئات والأشكال والأمكنة والأزمنة والعدد ، أو هي كمياتها وكيفياتها . وأما أصولها فهي ذوات العبادات والمعاملات بقطع النظر عن الكم والكيف .